لماذا تقول نعم أكثر من اللازم؟ اكتشف كيف تؤثر هذه العادة على إدارة الوقت والإنتاجية والنجاح الوظيفي، وما الذي تعلمه بيتر دراكر عن الأولويات.

لماذا تقول "نعم" أكثر من اللازم؟ وكيف تسرق هذه الكلمة وقتك ونجاحك؟



هناك كلمة صغيرة لا تتجاوز ثلاثة أحرف، لكنها قد تكون السبب الحقيقي وراء ضغط العمل، وتأخر الإنجاز، وضياع الوقت، وحتى تعثر المسار المهني.

إنها كلمة "نعم".

قد تبدو كلمة إيجابية، بل إن المجتمع يشجع عليها. فالإنسان المتعاون محبوب، والموظف الذي لا يرفض الطلبات يوصف غالبًا بأنه مجتهد، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك.

في كتاب The Effective Executive يطرح بيتر دراكر فكرة مختلفة تمامًا، وهي أن المدير أو الموظف الفعّال لا يقاس بعدد المهام التي يقبلها، بل بقدرته على اختيار ما يستحق وقته.


لماذا نقول "نعم" حتى عندما لا نرغب؟

لو سألت معظم الموظفين لماذا وافقوا على مهمة إضافية، فلن يقولوا لأنها مهمة، بل لأنهم لم يستطيعوا الرفض.

الخوف من إغضاب المدير. الخوف من خسارة الفرصة. الرغبة في أن يراك الجميع شخصًا متعاونًا. أو حتى الشعور بالذنب عندما تقول "لا".

كل هذه الأسباب تدفعنا إلى الموافقة، لكن المشكلة أن كل موافقة تحمل معها تكلفة لا نراها في اللحظة نفسها.

ولهذا نجد كثيرًا من الأشخاص يعملون ساعات طويلة، ومع ذلك يشعرون أن إنجازهم أقل مما يجب.

وهنا تظهر أهمية فهم طريقة اتخاذ القرار، وهو موضوع تناولناه أيضًا في مقال مراجعة كتاب التفكير، السريع والبطيء، حيث يشرح كيف يتخذ العقل قرارات كثيرة بشكل تلقائي دون أن ننتبه إليها.


كل "نعم" تعني "لا" لشيء آخر

هذه واحدة من أهم الأفكار التي يجب أن يتذكرها كل موظف وصاحب مشروع.

عندما توافق على اجتماع إضافي... فأنت ترفض ساعة كان يمكن أن تقضيها في مشروع مهم.

وعندما تقبل مهمة ليست من اختصاصك... فأنت تؤجل عملًا آخر أكثر أهمية.

وعندما تقول نعم للجميع... فأنت غالبًا تقول لا لنفسك.

الوقت مورد محدود، ولا يمكن زيادته، ولهذا فإن إدارة الوقت تبدأ قبل فتح جدول المهام، وتبدأ في الحقيقة عند اتخاذ قرار القبول أو الرفض.


الموظف المشغول ليس بالضرورة الموظف الناجح

من أكثر المعتقدات انتشارًا أن الشخص الذي يعمل لساعات أطول هو الأكثر إنتاجية.

لكن الواقع يثبت أن الانشغال لا يعني الإنجاز.

قد تجد موظفًا يرد على الرسائل طوال اليوم، ويحضر كل اجتماع، ويقبل كل طلب، لكنه في نهاية الأسبوع لم ينجز أهم أعماله.

في المقابل، هناك موظف آخر يرفض بعض الطلبات باحترام، ويعتذر عن الاجتماعات غير المهمة، ويركز على أولوياته، فتكون نتائجه أفضل بكثير.

الفرق بين الاثنين ليس الذكاء... بل القدرة على حماية الوقت.


لماذا يصعب علينا الرفض؟

علم النفس يفسر ذلك بطريقة بسيطة.

الإنسان بطبيعته يبحث عن القبول الاجتماعي، ولذلك يشعر بالارتياح عندما يوافق، ويشعر بعدم الارتياح عندما يرفض.

وهذا يشبه ما تحدثنا عنه في مقال مراجعة كتاب Yes!، حيث يوضح كيف يمكن للكلمات البسيطة أن تؤثر في قراراتنا وسلوكنا دون أن نشعر.

لكن الأشخاص الناجحين لا يتخذون قراراتهم بناءً على شعور لحظي، بل بناءً على أولويات واضحة.


كيف تعرف أن عليك أن تقول "لا"؟

قبل أن توافق على أي طلب، اسأل نفسك:

  • هل هذه المهمة تقربني من هدفي؟
  • هل يمكن لشخص آخر القيام بها؟
  • هل سأضطر إلى تأجيل عمل أهم؟
  • هل سأوافق لو لم أشعر بالحرج؟

إذا كانت إجاباتك تثير الشك، فقد يكون الرفض هو القرار الأفضل.


قول "لا" لا يعني أنك شخص سلبي

الرفض ليس عداءً، بل إدارة للموارد.

يمكنك أن ترفض باحترام، وأن تشرح أولوياتك، وأن تعرض وقتًا آخر للمساعدة.

بهذه الطريقة تحافظ على علاقتك بالآخرين، وفي الوقت نفسه تحافظ على أهم مورد تملكه، وهو وقتك.


ماذا يحدث عندما تقول "نعم" لكل شيء؟

في البداية سيشكرك الجميع.

لكن بعد فترة سيصبح الأمر متوقعًا.

وسيزداد عدد الطلبات.

وسيزداد الضغط.

ثم تبدأ جودة عملك في الانخفاض.

وهنا تقع في الحلقة التي يقع فيها كثير من الموظفين؛ كلما تأخروا في إنجاز أعمالهم، وافقوا على مهام أكثر لإرضاء الآخرين، فتزداد المشكلة سوءًا.


اختر أولوياتك قبل أن يختارها الآخرون

الأشخاص الأكثر نجاحًا لا يملكون ساعات أكثر من غيرهم.

لكنهم يملكون قدرة أكبر على اختيار ما يستحق وقتهم.

ولهذا فإن النجاح لا يبدأ بزيادة ساعات العمل، بل يبدأ بإزالة الأعمال التي لا تضيف قيمة حقيقية.

وهذه الفكرة ترتبط أيضًا بما ناقشناه في مقال مفارقة الاختيار، حيث تؤدي كثرة الخيارات أحيانًا إلى قرارات أسوأ بدلًا من قرارات أفضل.


الخلاصة

إذا كنت تقول "نعم" أكثر من اللازم، فالمشكلة ليست في أخلاقك، بل في طريقة إدارتك لأولوياتك.

تذكر دائمًا أن كل مرة توافق فيها على مهمة جديدة، فإنك تدفع ثمنها من وقتك، أو تركيزك، أو حياتك الشخصية.

ولهذا فإن كلمة "لا" ليست عدو النجاح، بل قد تكون أحيانًا السبب الحقيقي وراء النجاح.




اقرأ أيضًا