التضخم في السعودية 1.8% فقط.. فلماذا نشعر أن مصاريفنا ارتفعت أكثر من ذلك؟

التضخم في السعودية عند 1.8%، فلماذا نشعر بارتفاع مصاريف البيت؟ نفهم الفرق بين التضخم الرسمي وتكلفة المعيشة الشخصية وأين يذهب الراتب.

 



التضخم في السعودية 1.8% فقط.. فلماذا نشعر أن مصاريفنا ارتفعت أكثر من ذلك؟

تقول الأرقام الرسمية إن معدل التضخم السنوي في السعودية بلغ 1.8% في يوليو 2026، وهي نسبة منخفضة نسبيًا مقارنة بما شهدته اقتصادات كثيرة حول العالم خلال السنوات الأخيرة.

لكن اسأل شخصًا يشتري احتياجات البيت كل أسبوع، أو يدفع إيجارًا، أو لديه أبناء في المدارس، أو يمر على السوبرماركت ومحطة الوقود والمطعم، وستسمع في كثير من الأحيان إجابة مختلفة:

«طيب إذا التضخم 1.8% فقط.. ليش أحس أن راتبي يختفي أسرع؟»

السؤال مشروع، والإجابة لا تعني أن الأرقام الرسمية خاطئة، ولا أن شعور الناس مجرد وهم.

السبب ببساطة أن هناك فرقًا بين التضخم الذي تقيسه الدولة والتضخم الذي تعيشه أنت في ميزانيتك الشخصية.

أولًا: ماذا يعني أصلًا أن التضخم 1.8%؟

حين تقول الهيئة العامة للإحصاء إن التضخم بلغ 1.8%، فهي لا تقصد أن كل سلعة في السعودية ارتفع سعرها 1.8%.

مؤشر أسعار المستهلك يتابع سلة واسعة من السلع والخدمات، تشمل الغذاء والسكن والنقل والاتصالات والتعليم والمطاعم والملابس وغيرها.

ثم تُجمع هذه التغيرات في مؤشر عام له أوزان مختلفة.

لذلك يمكن أن يرتفع بند معين بنسبة كبيرة، بينما ينخفض بند آخر أو يبقى مستقرًا، وفي النهاية يخرج المتوسط العام عند 1.8%.

وهنا تبدأ الفجوة بين الرقم الرسمي وتجربتك الشخصية.

تضخمك الشخصي قد يكون 5% بينما التضخم العام 1.8%

تخيل شخصين يعيشان في المدينة نفسها.

الأول يسكن في منزل مملوك، وليس لديه أبناء في المدارس، وينفق جزءًا محدودًا من دخله على الطعام.

والثاني يدفع إيجارًا، ولديه أسرة كبيرة، ويستهلك جزءًا كبيرًا من راتبه في البقالة والمطاعم والنقل.

حتى لو كانا يعيشان تحت المؤشر الرسمي نفسه، فإن أثر الأسعار عليهما لن يكون متساويًا.

الثاني ببساطة أكثر تعرضًا للبنود التي تلتهم النسبة الأكبر من راتبه.

ولهذا فالأهم بالنسبة لك ليس فقط: كم بلغ التضخم في السعودية؟

بل: في أي بنود أصرف معظم راتبي؟ وما الذي حدث لأسعار هذه البنود؟

نحن لا نشعر بالنسبة.. نشعر بالريالات

هناك سبب نفسي ومالي آخر.

حين يرتفع منتج من 10 ريالات إلى 11 ريالًا، قد يبدو الفرق ريالًا واحدًا فقط.

لكن عندما يتكرر ذلك في عشرات السلع التي تشتريها كل شهر، تتحول الزيادات الصغيرة إلى مبلغ واضح في نهاية الشهر.

والمشكلة أن الراتب لا ينظر إلى النسبة.

ميزانية الأسرة ترى فقط أن فاتورة كانت 800 ريال أصبحت 900، وأن مشتريات أسبوعية كانت 300 أصبحت 350.

وهنا تبدأ عبارة «الراتب ما عاد يكفي مثل أول» في الظهور حتى لو بقي التضخم العام منخفضًا.

15.8 مليار ريال إنفاق في أسبوع واحد

الأرقام الأخيرة تعطي صورة مهمة عن قوة الاستهلاك.

خلال الأسبوع المنتهي في 29 أغسطس 2026، بلغ الإنفاق الاستهلاكي في السعودية نحو 15.8 مليار ريال، بزيادة 11.5% عن الأسبوع السابق.

وكانت الأغذية والمشروبات من أبرز البنود التي قادت الارتفاع، مع زيادة تجاوزت 20%.

جزء من ذلك مرتبط بموسم العودة إلى المدارس، وبالتالي من الخطأ تفسير الزيادة كلها على أنها غلاء أسعار.

لكنها تكشف شيئًا آخر مهمًا: الأسر تدفع مبالغ أكبر في فترات معينة، سواء بسبب ارتفاع الأسعار أو زيادة الكميات أو تغير نمط الاستهلاك.

وهذا هو الفارق الذي يضيع أحيانًا في النقاش.

ارتفاع الإنفاق لا يعني دائمًا ارتفاع الأسعار

إذا صرف الناس 15.8 مليار ريال هذا الأسبوع بدلًا من 14 مليارًا في الأسبوع السابق، فهذا لا يعني أن الأسعار ارتفعت بالنسبة نفسها.

قد يكون السبب أن الناس اشتروا أكثر.

وقد يكون السبب موسم المدارس.

وقد تكون هناك عروض أو مشتريات مؤجلة أو مناسبات.

وقد يكون جزء من الزيادة بسبب الأسعار نفسها.

لذلك لا يصح مساواة زيادة الإنفاق بـ التضخم.

لكن اجتماع الاثنين يمكن أن يخلق إحساسًا قويًا لدى الأسرة بأن الأموال تخرج بسرعة أكبر.

المشكلة ليست دائمًا في الأسعار.. أحيانًا في نمط الحياة

وهنا تأتي النقطة التي لا يحب أحد الحديث عنها.

جزء من ارتفاع المصاريف خلال السنوات الأخيرة ليس سببه التضخم وحده، بل أن طريقة حياتنا نفسها تغيرت.

طلبات المطاعم صارت أسهل.

خدمات التوصيل في كل مكان.

الشراء بالتطبيقات لا يحتاج سوى ثوانٍ.

والتقسيط وخدمات «اشتر الآن وادفع لاحقًا» جعلت قرار الشراء أقل إيلامًا لحظتها، حتى لو أصبح أكثر إزعاجًا في نهاية الشهر.

وهنا يمكنك الرجوع إلى مقالنا: اشترِ الآن وادفع لاحقًا: فخ أم حل؟ حيث ناقشنا كيف يمكن أن تتحول سهولة الدفع إلى التزام شهري لا نشعر بحجمه إلا بعد تراكم عدة عمليات.

مشكلة «التضخم الخفي» في نمط الاستهلاك

أحيانًا لا يرتفع سعر المنتج نفسه، لكننا ننتقل إلى منتج أغلى.

القهوة التي كنا نشربها في البيت أصبحت من مقهى.

الوجبة التي كانت تطهى في المنزل أصبحت طلب توصيل.

الهاتف الذي كان يتغير كل أربع سنوات أصبح يتغير كل سنتين.

ومع الوقت يصبح مستوى الإنفاق الجديد هو الوضع الطبيعي.

ثم عندما ترتفع الأسعار فوق هذا المستوى أصلًا، نشعر أن الغلاء أصبح مضاعفًا.

وهذا ليس تضخمًا بالمعنى الإحصائي، لكنه تضخم في مستوى المعيشة الذي اخترناه لأنفسنا.

لماذا نشعر بارتفاع أسعار الغذاء أكثر من غيره؟

لأن الغذاء مختلف عن كثير من المصروفات.

أنت لا تشتري جهازًا كهربائيًا كل يوم، لكنك ترى أسعار البقالة بشكل متكرر.

وقد تشتري الخبز والحليب والخضار واللحوم أكثر من مرة في الأسبوع.

لذلك حتى التغيرات الصغيرة تصبح واضحة جدًا في الذاكرة.

وهنا يلعب التكرار دورًا كبيرًا في إحساسنا بالتضخم.

سلعة ترتفع عشرة ريالات مرة كل ثلاث سنوات قد لا تزعجك، بينما سلعة ترتفع ريالًا واحدًا وتشتريها عشر مرات في الشهر قد تبقى في ذهنك.

الإيجار قادر وحده على تغيير تجربتك بالكامل

السكن من أكبر البنود التي يمكن أن تجعل التضخم الشخصي مختلفًا جذريًا من شخص إلى آخر.

من يسكن في منزل مملوك قد لا يشعر بأي تغيير في هذا البند.

أما من يجدد عقد إيجاره بسعر أعلى، فقد يتغير مصروفه السنوي بآلاف الريالات دفعة واحدة.

وفي تلك اللحظة لن يهمه كثيرًا أن بعض السلع الأخرى انخفضت أسعارها.

لأن بندًا واحدًا كبيرًا ابتلع كل الوفر.

وهنا نصل إلى الراتب

المشكلة الحقيقية لا تبدأ عندما ترتفع الأسعار فقط.

تبدأ عندما ترتفع المصاريف أسرع من نمو دخلك.

إذا بقي راتبك ثابتًا خمس سنوات بينما ارتفعت تكاليف حياتك تدريجيًا، فإن قوتك الشرائية تتراجع حتى لو كان معدل التضخم في كل سنة منفردة يبدو صغيرًا.

ولهذا كتبنا سابقًا عن الفرق بين الدخل الظاهر والاستقرار المالي الحقيقي في: الرفاهية الصامتة مقابل الاستقرار المالي: أيهما تختار فعلًا؟

فالشخص الذي يرفع مستوى استهلاكه كلما تحسن دخله قد يظل تحت الضغط نفسه مهما ارتفع راتبه.

كيف تعرف معدل التضخم الحقيقي في حياتك؟

لا تحتاج إلى دراسة اقتصادية معقدة.

خذ مصروفاتك في ثلاثة أو أربعة بنود كبيرة:

  • السكن.
  • البقالة والطعام.
  • النقل والسيارة.
  • الفواتير والاتصالات.

ثم قارن ما كنت تدفعه قبل سنة بما تدفعه الآن.

لو كنت تصرف 6,000 ريال شهريًا على هذه البنود، وأصبحت تصرف 6,400 ريال للحصول على المستوى نفسه تقريبًا، فإن ارتفاع تكلفة حياتك الشخصية يقترب من 6.7%.

هذا الرقم لا يناقض التضخم الرسمي.

إنه ببساطة يقيس سلة محمد أو أحمد أو أسرة بعينها بدلًا من سلة الاقتصاد السعودي كله.

وماذا نفعل إذا كانت المصاريف فعلًا ترتفع؟

الخطأ الأول هو أن نضع كل شيء تحت كلمة «غلاء» ونستسلم.

والخطأ الثاني هو أن ننكر تغير الأسعار تمامًا ونحمّل الشخص كل المسؤولية.

الأفضل هو فصل الأمرين.

هناك أسعار لا تستطيع التحكم فيها، لكن هناك أيضًا مشتريات وعادات تستطيع تغييرها.

ابدأ بالبند الذي يسحب أكبر مبلغ، وليس بأصغر بند.

تقليل قهوة بعشرة ريالات لن ينقذك إذا كان لديك تمويل أو إيجار أو مشتريات شهرية غير منضبطة تستهلك ألف ريال.

وابحث أولًا عن الإنفاق الذي لا يضيف لك قيمة حقيقية.

التضخم 1.8%.. لكن هذا لا يجيب عن كل شيء

الرقم الرسمي مهم، لأنه يخبرنا بما يحدث للأسعار على مستوى الاقتصاد ككل.

وكون التضخم في السعودية عند 1.8% يعد إشارة مختلفة تمامًا عن اقتصاد يعاني تضخمًا من رقمين.

لكن الرقم لا يستطيع أن يخبرك إن كنت أنت شخصيًا تنفق أكثر بنسبة 2% أو 10%.

ولهذا لا يوجد تناقض حقيقي بين أن تقول الإحصاءات إن التضخم منخفض، وبين أن يقول شخص إن مصروف بيته ارتفع بشكل واضح.

قد يكون كلاهما صحيحًا في الوقت نفسه.

السؤال الأفضل ليس: لماذا يكذب علينا الرقم؟

بل: لماذا تختلف سلة مصروفاتي عن السلة التي يقيسها المؤشر؟

حين نفهم هذا الفرق، تصبح لدينا قدرة أكبر على التعامل مع الغلاء بدل الاكتفاء بالشعور به.

وربما تكون هذه هي الفائدة الحقيقية من متابعة أرقام التضخم: ليس معرفة رقم 1.8% وحفظه، بل استخدامه كنقطة مقارنة مع ما يحدث داخل ميزانيتنا نحن.


اقرأ أيضًا


المصادر

الهيئة العامة للإحصاء – الرقم القياسي لأسعار المستهلك، يوليو 2026.
وكالة الأنباء السعودية – بيانات مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، سبتمبر 2026.
بيانات الإنفاق الاستهلاكي الأسبوعي في السعودية للأسبوع المنتهي في 29 أغسطس 2026.

ملاحظة: المقال توعوي وتحليلي، والأمثلة الحسابية الواردة فيه للتوضيح وليست أرقامًا تمثل جميع الأسر.

اختبارات ومحاكاة قياس مجانًا