ترك وول ستريت واشترى شركة خاسرة... وبعد سنوات تجاوزت مبيعاتها 100 مليون دولار
إعداد: محمد عبدالله الصبيح
في عام 2011 كان تشارلز كوريستين يعمل في عالم المال، ولديه مسار مهني قد يراه كثيرون أكثر أمانًا من البدء من الصفر.
ثم اتخذ قرارًا يبدو، عند النظر إليه من الخارج، غير منطقي تمامًا: اشترى شركة وجبات خفيفة متعثرة لا يملك خبرة سابقة في صناعتها.
دفع 250 ألف دولار من مدخراته لشراء شركة اسمها LesserEvil، مع مبلغ إضافي متفق عليه لاحقًا. وكانت الشركة في ذلك الوقت تخسر المال ومبيعاتها السنوية أقل من مليون دولار.
بعد أكثر من عقد، تجاوزت مبيعاتها السنوية 100 مليون دولار. ثم جاءت النهاية التي لم تكن موجودة عندما كُتب هذا المقال أول مرة: استحوذت شركة Hershey على LesserEvil في 2025 بصفقة بلغت قيمتها مئات الملايين من الدولارات.
لكن القصة المثيرة هنا ليست الرقم في النهاية.
السؤال الأهم: ماذا فعل رجل بلا خبرة في صناعة الأغذية حتى يحوّل مشروعًا متعثرًا إلى شركة تريد واحدة من أكبر شركات الحلويات والوجبات الخفيفة في العالم شراءها؟
الراتب الجيد لا يعني أنك في المكان الصحيح
قضى كوريستين سنوات طويلة في وول ستريت وعمل في القطاع المالي. من الخارج كان يملك الوظيفة التي يبحث عنها كثيرون: دخل جيد، مكانة مهنية ومسار واضح.
لكن المشكلة أن النجاح المهني الظاهر لا يمنع الإرهاق.
وبحسب روايته في مقابلات لاحقة، وصل إلى مرحلة شعر فيها أنه يحتاج إلى تغيير حقيقي في حياته المهنية.
وهذه نقطة تستحق الوقوف عندها. فالراتب المرتفع مفيد بالتأكيد، لكنه ليس مقياسًا كاملًا للنجاح. وقد ناقشنا في علّمني من زاوية مالية مختلفة لماذا لا يجعلك الراتب العالي غنيًا بالضرورة .
في حالة كوريستين لم تكن القضية بناء الثروة فقط، بل البحث عن مسار يستطيع أن يصنع فيه شيئًا بنفسه.
لقاء عادي أدى إلى قرار غير عادي
خلال لقاء اجتماعي تعرف كوريستين على أحد ملاك LesserEvil، وهي شركة صغيرة تعمل في سوق الوجبات الخفيفة.
الشركة لم تكن قصة نجاح تنتظر مستثمرًا. بل كانت في وضع صعب، ولم تكن مبيعاتها كافية لتغطية تكاليفها بصورة مريحة.
ومع ذلك قرر شراءها.
في نوفمبر 2011 دفع نحو 250 ألف دولار من مدخراته، إضافة إلى مبلغ مستقبلي قدره 100 ألف دولار وفق وثائق اطلعت عليها CNBC.
الأكثر غرابة أنه لم يكن خبيرًا في الأغذية ولا في تصنيع الوجبات الخفيفة.
وهنا يظهر أول درس مهم: الفرصة ليست دائمًا في المشروع الذي يسير بصورة ممتازة. أحيانًا تكون في أصل سيئ الإدارة أو منتج لم يجد بعد النموذج المناسب.
لكن شراء شركة خاسرة لا يعني أنك وجدت كنزًا
من السهل بعد معرفة النهاية أن نصف الصفقة بأنها فرصة عبقرية.
لكن هذا نوع من خداع النظر إلى الماضي. فمقابل كل شركة متعثرة نجح شخص في إنقاذها، هناك شركات أخرى ابتلعت أموال أصحابها.
ولهذا يجب ألا نخرج من القصة باستنتاج بسيط مثل: اشترِ مشروعًا خاسرًا وستصبح ثريًا.
هذا بالضبط النوع من التفكير الذي قد يقود صاحب المشروع إلى الاستمرار في خسارته فقط لأنه دفع أموالًا كثيرة سابقًا. وقد شرحنا هذه المشكلة في مقال لماذا نستمر أحيانًا في مشروع خاسر؟ .
الفرق أن كوريستين لم يشترِ الشركة ثم يحافظ عليها بالشكل نفسه. بل بدأ في تغيير النموذج نفسه.
أحد أهم القرارات: صنع المنتج بنفسه
كانت LesserEvil تعتمد في جزء من إنتاجها على جهات تصنيع خارجية. ومع ارتفاع التكلفة وضعف الهوامش، أصبح هذا النموذج مشكلة.
فاتجهت الشركة إلى التصنيع الذاتي.
قد يبدو امتلاك المصنع قرارًا مكلفًا، لكنه منح الشركة عدة مزايا:
- تحكم أكبر في تكلفة المنتج.
- قدرة أسرع على تجربة منتجات جديدة.
- تحكم أفضل في الجودة.
- مرونة في تعديل النكهات والمكونات.
- هامش ربح يسمح بالمنافسة على السعر.
وبحسب Retail Brew، أصبح التصنيع الداخلي أحد أهم العناصر التي ساعدت LesserEvil على البقاء ثم النمو.
وهذا درس يتكرر في عالم الأعمال: ليست كل ميزة تنافسية موجودة في الإعلان أو الشعار. أحيانًا تكون أهم ميزة للشركة موجودة خلف الكواليس، في طريقة التشغيل نفسها.
لم يصرّ على المنتجات التي لا تنجح
لم يكن الطريق خطًا مستقيمًا. جربت الشركة منتجات مختلفة، وبعضها لم يعمل كما أرادت.
بدل أن تتعلق بفكرة لأنها أنفقت عليها مالًا ووقتًا، استمرت في التجربة.
ثم وجدت مساحة قوية في الفشار العضوي والوجبات الخفيفة التي تستهدف المستهلك الباحث عن بدائل مختلفة عن المنتجات التقليدية.
الدرس هنا مهم لأي صاحب مشروع صغير: لا تقع في حب المنتج أكثر من العميل.
إذا أخبرك السوق مرارًا أن منتجًا لا يعمل، فالمرونة ليست فشلًا. قد تكون هي الشيء الذي ينقذ المشروع.
النمو كان بطيئًا قبل أن يصبح كبيرًا
نحن عادة نرى الشركات بعد نجاحها.
نرى انتشار المنتج في المتاجر، وأرقام المبيعات، وصفقة الاستحواذ. لكننا لا نرى السنوات التي سبقت ذلك.
LesserEvil لم تنتقل من أقل من مليون دولار إلى أكثر من 100 مليون بين ليلة وضحاها.
بنت وجودها تدريجيًا في متاجر الأغذية الطبيعية، ثم اتسع التوزيع إلى سلاسل أكبر. وبحلول 2024 تحدثت تقارير القطاع عن وجود منتجاتها في نحو 35 ألف نقطة بيع، بينها Walmart وTarget وCostco.
وهذه من أهم الدروس التي يجب أن يتذكرها من يبدأ مشروعًا: النمو الجيد قد يبدو مملًا في بدايته.
ليس شرطًا أن تنتشر سريعًا على مواقع التواصل أو تجمع ملايين الدولارات من المستثمرين حتى يكون لديك مشروع حقيقي.
العلامة التجارية نفسها تغيرت
لم يكن التحول تشغيليًا فقط.
LesserEvil أعادت بناء هويتها أكثر من مرة، وركزت على أن يصبح شكل المنتجات واضحًا ومتناسقًا عند عرضها على رفوف المتاجر.
وهذا يوضح أن التغليف والهوية ليست مجرد تجميل للمنتج.
في متجر يحتوي عشرات المنافسين، قد تكون العبوة هي أول إعلان يراه العميل.
المنتج الجيد الذي لا يستطيع لفت انتباه المشتري قد يبقى منتجًا جيدًا لا يعرفه أحد.
من أقل من مليون إلى أكثر من 100 مليون دولار
بحلول عام 2023 وصلت المبيعات الإجمالية السنوية لـLesserEvil إلى نحو 103.3 مليون دولار وفق أرقام نشرتها CNBC.
ولم يكن ذلك مجرد رقم مبيعات ضخم. فالشركة أصبحت أيضًا موجودة لدى كبار تجار التجزئة، وبنت قدرة تصنيع خاصة بها، ووسعت منتجاتها وفريقها.
تقارير قطاعية لاحقة أشارت إلى استمرار النمو بقوة خلال 2024.
وهنا تصبح القصة مختلفة تمامًا عن مجرد رجل اشترى مشروعًا صغيرًا.
لقد أصبحت الشركة أصلًا استراتيجيًا يمكن أن يكون مهمًا لشركة أكبر.
ثم ظهرت Hershey
في 2025 أعلنت The Hershey Company رغبتها في الاستحواذ على LesserEvil.
وفي نوفمبر من العام نفسه أعلنت إتمام الصفقة.
إفصاحات Hershey المالية أظهرت أن المقابل النقدي الأولي المدفوع للاستحواذ بلغ نحو 769 مليون دولار، مع وجود مقابل إضافي محتمل مرتبط بتحقيق أهداف أداء مستقبلية.
وهكذا تحولت الشركة التي اشتراها كوريستين مقابل مئات الآلاف من الدولارات إلى أصل دفعت شركة عملاقة مقابله مئات الملايين.
لكن من الخطأ اختزال الأربعة عشر عامًا بين الرقمين وكأنها مجرد عملية:
250 ألف ← 769 مليون.
بين الرقمين مصانع، موظفون، منتجات فشلت، منتجات نجحت، توسع في التوزيع، قرارات تمويل، مخاطر تشغيلية وسنوات من إعادة الاستثمار.
الدرس الأول: ابحث عن سبب الخسارة قبل أن تخاف منها
ليست كل شركة خاسرة سيئة.
لكن عليك أن تعرف: لماذا تخسر؟
هناك فرق بين مشروع لا يريده أحد، ومشروع لديه طلب ولكن نموذجه التشغيلي سيئ.
إذا كانت المشكلة قابلة للإصلاح — مثل تكلفة الإنتاج أو ضعف التوزيع أو سوء الهوية أو تشتيت المنتجات — فقد توجد فرصة.
أما إذا لم يكن هناك طلب أساسًا، فإن ضخ المزيد من المال قد لا يحل شيئًا.
الدرس الثاني: الميزة التنافسية قد تكون في العمليات
من أهم ما نتعلمه من LesserEvil أن جزءًا كبيرًا من التحول جاء من امتلاك قدرة التصنيع.
هذا خفّض الاعتماد على أطراف أخرى ومنح الشركة مرونة في الابتكار والتكلفة.
وهذا قريب من فكرة شرحناها في مقال أصول الشركة التي لا تظهر دائمًا بوضوح في الميزانية .
فالمصنع وحده ليس الميزة. المعرفة المتراكمة داخله، الفريق، سرعة التطوير والعلاقات مع المتاجر جميعها أصول يصعب نسخها سريعًا.
الدرس الثالث: لا تحتاج إلى اختراع سوق جديد
كوريستين لم يخترع الفشار.
ولم يخترع الوجبات الخفيفة الصحية.
لكنه وجد طريقة لتقديم منتج موجود داخل سوق ضخم بطريقة مختلفة، ثم بنى شركة أفضل حوله.
وهذا درس مهم لرواد الأعمال: المشروع الناجح لا يحتاج دائمًا إلى فكرة لم يرها العالم من قبل.
في بعض الأحيان يكفي أن تقدم منتجًا معروفًا بجودة أو تكلفة أو توزيع أو علامة تجارية أفضل.
الدرس الرابع: لا تنخدع بقصة النجاح بعد حدوثها
بعد أن نعرف أن Hershey اشترت الشركة، يصبح من السهل أن نقول: "كان واضحًا أنها فرصة رائعة."
لكن لم يكن ذلك واضحًا في 2011.
كانت شركة تخسر المال، ومشتريها بلا خبرة في صناعة الأغذية، والقطاع مليء بمنافسين أكبر.
لذلك الدرس الصحيح ليس: غامر بكل مدخراتك.
بل: افهم المخاطرة، وابحث عن شيء يمكنك تغييره فعليًا، ثم نفّذ أفضل من الموجود.
الدرس الخامس: بناء الشركة أهم من مطاردة التقييم
من الأشياء اللافتة في قصة LesserEvil أن الشركة بنت التصنيع والتوزيع والمنتج قبل أن تصل إلى صفقة الاستحواذ الكبيرة.
القيمة جاءت لأن هناك نشاطًا حقيقيًا خلف الرقم.
وهذا يذكّر بقصة سعودية تناولناها في علّمني عن أحمد العنزي وبناء شركة برق من الخبرة المصرفية إلى التقنية المالية .
القطاعات مختلفة تمامًا، لكن هناك فكرة مشتركة: قيمة الشركة في النهاية نتيجة لما بُني داخلها، وليست رقمًا نختاره ثم نحاول تبريره.
ماذا يستفيد صاحب مشروع صغير من هذه القصة؟
قد تقول إن الحديث عن شركة بمئات الملايين بعيد عن مشروع صغير في السعودية.
لكن الدروس التشغيلية نفسها يمكن تطبيقها على نطاق أصغر.
- اعرف المنتج الذي يحقق لك أفضل هامش.
- توقف عن المنتجات التي تستنزف المال دون طلب.
- راقب ما يمكنك تصنيعه أو تنفيذه بنفسك بتكلفة أفضل.
- لا تتوسع في التوزيع قبل التأكد من قدرتك على التوريد.
- ابنِ هوية يستطيع العميل تذكرها.
- أعد استثمار جزء من الأرباح في تحسين العمل.
- لا تجعل رأس المال بديلًا عن نموذج أعمال جيد.
وهذا مهم خصوصًا في مرحلة المشروعات الصغيرة؛ فالوصول إلى التمويل لا يحل مشروعًا لا يعرف كيف يربح.
ويمكنك قراءة مقالنا عن الفرص والمبادرات الجديدة لأصحاب المشاريع في السعودية .
الخلاصة
في 2011 اشترى Charles Coristine شركة متعثرة لا يعرف صناعتها جيدًا.
لو توقفت القصة عند قرار الشراء لكانت مجرد مقامرة مثيرة.
لكن ما صنع النتيجة كان ما حدث بعد ذلك: إعادة بناء المنتج، التحكم في التصنيع، التجربة المستمرة، تطوير العلامة التجارية، توسيع التوزيع، وإعادة استثمار المال في النمو.
بحلول 2023 تجاوزت المبيعات الإجمالية 100 مليون دولار. وبعد ذلك بعامين دخلت Hershey وأتمت الاستحواذ على الشركة مقابل مئات الملايين.
والدرس الذي يستحق أن يبقى ليس أن تترك وظيفتك غدًا أو تشتري شركة خاسرة.
الدرس هو: أحيانًا لا تكون القيمة في الأصل الذي تشتريه، بل في قدرتك على بناء شيء أفضل مما كان عليه.
المصادر
- The Hershey Company — إعلان إتمام الاستحواذ على LesserEvil، نوفمبر 2025.
- إفصاحات The Hershey Company لدى هيئة الأوراق المالية الأمريكية SEC.
- CNBC Make It — قصة Charles Coristine واستحواذه على LesserEvil وأرقام مبيعات 2023.
- Retail Brew — مقابلات وتقارير عن استراتيجية التصنيع والتوزيع والنمو في LesserEvil.
اقرأ المزيد
أحمد العنزي مؤسس برق: من موظف بنك إلى شركة بتقييم 1.85 مليار دولار
لماذا تستمر في مشروع خاسر؟ تكلفة لا يراها معظم الناس
أخطر أصول شركتك لا تظهر في الميزانية: الموظفون والسمعة والعلاقات
13 مبادرة جديدة لأصحاب المشاريع في السعودية.. أين الفرصة لمشروعك؟

الانضمام إلى المحادثة