أحمد العنزي مؤسس برق: من موظف بنك إلى شركة بتقييم 1.85 مليار دولار
إعداد: محمد عبدالله الصبيح
أحيانًا نقرأ خبرًا عن شركة وصلت قيمتها إلى مليارات الدولارات، فنرى النتيجة النهائية فقط.
شركة ناشئة. جولة استثمارية ضخمة. مؤسس أصبح اسمه متداولًا. أرقام بالمليارات.
ثم تأتي الجملة السهلة:
«نجح في ثلاث سنوات».
لكن عندما تنظر إلى ما قبل السنوات الثلاث، تتغير القصة تمامًا.
وهذا تقريبًا ما حدث مع أحمد العنزي، مؤسس ورئيس شركة «برق» للمدفوعات الرقمية، بعد إعلان الشركة عن جولة استثمارية من الفئة A بقيمة 329.5 مليون دولار، رفعت تقييم الشركة إلى نحو 1.85 مليار دولار.
أي أننا نتحدث عن شركة سعودية حديثة نسبيًا وصلت إلى تقييم يقارب سبعة مليارات ريال.
رقم كبير بالتأكيد.
لكن الأكثر إثارة للاهتمام في القصة ليس الرقم.
بل الطريق الذي سبق الرقم.
القصة لم تبدأ مع «برق»
أحمد العنزي لم يستيقظ في 2023 ويقرر إنشاء تطبيق مالي، ثم يجد نفسه بعد سنوات قليلة أمام شركة قيمتها مليارات.
مسيرته المهنية بدأت في القطاع المصرفي قبل أكثر من عشرين عامًا.
عمل في البنك الأهلي التجاري بين عامي 2005 و2008، ثم انتقل إلى بنك البلاد، حيث عمل في عدة مجالات مصرفية ووصل إلى إدارة خدمة «إنجاز» للتحويلات المالية.
بعد ذلك جاءت محطة أكثر ارتباطًا بما سيصنعه لاحقًا.
في 2018 انضم إلى فريق تأسيس STC Pay، ثم أصبح الرئيس التنفيذي للشركة في 2019 واستمر في المنصب حتى 2022.
وفي يناير 2023 أسس «برق».
اليوم، يعمل المشروع في قلب قطاع التقنية المالية، وهو قطاع يشهد نموًا سريعًا في السعودية مع توسع الخدمات الرقمية والمحافظ الإلكترونية والمدفوعات غير النقدية.
إذن حين نقول إن «برق» وصلت إلى هذا الحجم خلال فترة قصيرة، فهذا صحيح بالنسبة لعمر الشركة.
لكن ليس صحيحًا إذا فهمناه على أنه نجاح بدأ من الصفر قبل ثلاث سنوات.
المشروع جديد، أما الخبرة التي تقف خلفه فليست جديدة.
وهنا أول درس: لا تحسب عمر المشروع فقط
لدينا ميل طبيعي إلى اختصار قصص النجاح.
نقول إن شخصًا بنى شركة في ثلاث سنوات، أو أن صانع محتوى وصل إلى مليون متابع في عام، أو أن تاجرًا أصبح لديه عشرات الفروع خلال خمس سنوات.
لكننا ننسى أحيانًا السنوات التي سبقت اللحظة التي بدأنا نحن نراقبه فيها.
قد تكون السنوات الأولى أمضاها موظفًا يتعلم كيف يعمل القطاع.
وقد يكون ارتكب أخطاء في وظائف سابقة لا نعرف عنها شيئًا.
وقد بنى خلال عشرين عامًا شبكة علاقات وفهمًا للسوق ومعرفة بالعملاء والأنظمة والمنافسين.
ثم جاء المشروع الجديد ليستخدم كل هذا التراكم دفعة واحدة.
وهذا يغير نظرتنا إلى النجاح.
بدل أن تقول:
«لماذا لم أحقق شيئًا ضخمًا خلال سنتين؟»
ربما يكون السؤال الأفضل:
«ما الذي أبنيه اليوم ويمكن أن أستخدمه بعد عشر سنوات؟»
الخبرة التي لا تظهر في الراتب
حين تعمل في وظيفة، من السهل أن تقيس قيمتها بالراتب فقط.
راتبي عشرة آلاف.
عرضوا علي اثني عشر.
الشركة الأخرى تعطي خمسة عشر.
وهذه مقارنة منطقية، فالمال مهم.
لكن الوظيفة تعطيك أحيانًا شيئًا آخر لا يظهر في كشف الحساب.
تعطيك معرفة.
وتعطيك علاقات.
وتجعلك ترى كيف يعمل قطاع كامل من الداخل.
وتعلمك أين يشتكي العملاء، وأين تخسر الشركات المال، وما الذي ينجح وما الذي يفشل.
وهذا النوع من المعرفة قد لا تستطيع شراءه من دورة تدريبية مهما كان سعرها.
العمل في البنوك ثم التحويلات المالية ثم المدفوعات الرقمية قبل تأسيس شركة تعمل في المجال نفسه يوضح هذه الفكرة جيدًا.
أنت لا تبدأ مشروعك ومعك رأس مال فقط.
قد تبدأه ومعك عشرون عامًا من الملاحظات.
لكن هل يعني تقييم 1.85 مليار دولار أن المؤسس يملك هذا المبلغ؟
هنا نصل إلى نقطة مالية مهمة؛ لأن عناوين مثل «ملياردير جديد» جذابة، لكنها قد تجعل القارئ يفهم تقييم الشركات بطريقة غير دقيقة.
عندما يقال إن شركة ما قيمتها 1.85 مليار دولار، فهذا لا يعني أن هذا المبلغ موجود في حساب الشركة البنكي.
ولا يعني أن المؤسس يستطيع غدًا سحب 1.85 مليار دولار.
التقييم هو القيمة التي نُسبت إلى الشركة ضمن الصفقة الاستثمارية.
ولتقدير الثروة الشخصية للمؤسس تحتاج أيضًا إلى معرفة نسبة ملكيته الفعلية بعد الجولات الاستثمارية، وما إذا كانت حصته خاضعة لقيود أو التزامات أو ترتيبات أخرى.
ولهذا من الأفضل التفريق بين:
قيمة الشركة، وحجم الجولة الاستثمارية، والسيولة الموجودة فعليًا، وثروة المساهم.
أربع أشياء قد تبدو متشابهة في العناوين، لكنها ليست الشيء نفسه.
وهذا يشبه خطأ نرتكبه في حياتنا الشخصية حين نخلط بين الدخل والثروة.
فالشخص الذي يحصل على راتب مرتفع لكنه لا يعرف أين تذهب أمواله قد يكون أقل استقرارًا من شخص دخله أقل لكنه يسيطر على مصروفاته ويدخر بانتظام. وقد تحدثنا في «علّمني» عن هذه المشكلة بالتفصيل في مقال 15.8 مليار ريال في أسبوع: أين يتسرّب راتبك دون أن تشعر؟.
الرقم الظاهر لا يخبرك دائمًا بالصورة الكاملة.
15 مليون مستخدم: المنتج الجيد وحده لا يكفي
وفق البيانات المنشورة مع الجولة الجديدة، تجاوز عدد مستخدمي «برق» 15 مليون مستخدم، فيما تجاوزت قيمة الأموال المتداولة عبر المنصة 440 مليار ريال.
هذه أرقام لافتة لشركة حديثة.
لكنها تعطي درسًا ثانيًا لأي شخص يفكر في مشروع.
الفكرة وحدها ليست مشروعًا.
هناك آلاف الأفكار الجيدة التي لا تصل إلى أحد.
القيمة تظهر عندما تستطيع تحويل الفكرة إلى منتج يستخدمه الناس، ثم تجعلهم يستمرون في استخدامه، ثم تبني حوله نموذج عمل قادرًا على النمو.
وهذه النقطة تنطبق حتى على المشاريع الصغيرة جدًا.
متجر إلكتروني لا ينجح لأن صاحبه وجد منتجًا جميلًا فقط.
ومدونة لا تنجح لأن الكاتب كتب عشرة مقالات جيدة فقط.
وقناة يوتيوب لا تكبر لأن صاحبها صنع فيديو رائعًا مرة واحدة.
هناك فرق بين صنع شيء جيد وبين بناء نظام يستطيع تكرار النتيجة.
السوق المناسب قد يضاعف أثر مهارتك
وهناك عامل آخر لا ينبغي تجاهله.
«برق» لم تظهر في فراغ.
قطاع التقنية المالية في السعودية ينمو بسرعة، والمدفوعات الرقمية أصبحت جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية، كما توسعت الخدمات المالية الرقمية بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة.
أي أن الخبرة جاءت في وقت كانت فيه السوق نفسها تتحرك في الاتجاه المناسب.
وهذا درس مهم في العمل والاستثمار وحتى اختيار التخصص.
قد تكون ماهرًا جدًا في مجال يتراجع الطلب عليه.
وقد تكون مهارتك متوسطة في مجال ينمو بسرعة، فتجد فرصًا للتعلم والترقي والتوسع أكبر بكثير.
الأفضل بالطبع أن تجمع الاثنين:
مهارة تتراكم، وسوق يتوسع.
لا تبحث دائمًا عن «الفكرة الجديدة»
كثير ممن يريدون بدء مشروع يسألون:
ما الفكرة التي لم يفعلها أحد من قبل؟
لكن معظم الشركات الناجحة لا تقوم على اختراع حاجة بشرية جديدة تمامًا.
الناس كانوا يحولون الأموال قبل التطبيقات.
وكانوا يدفعون ويشترون ويدخرون قبل المحافظ الرقمية.
التغيير يحدث غالبًا في طريقة تنفيذ الحاجة القديمة.
أسرع.
أسهل.
أرخص.
أوضح.
أكثر ملاءمة للهاتف.
ولهذا ربما يكون السؤال الأفضل لصاحب المشروع:
«ما الشيء الذي يفعله الناس أصلًا ويمكنني أن أجعله أفضل؟»
وهناك جانب آخر: سهولة الدفع تغيّر سلوكنا
نجاح المحافظ والتطبيقات المالية لا يخبرنا فقط عن مستقبل الشركات، بل يخبرنا أيضًا عن الطريقة التي تتغير بها علاقتنا بالمال.
كلما أصبح الدفع أسرع وأقل احتكاكًا، أصبح من المهم أن يكون المستخدم أكثر وعيًا بسلوكه المالي.
وقد ناقشنا هذه الفكرة بتفصيل أكبر في مقال هل هاتفك يبرمجك على الصرف؟ كيف تؤثر التطبيقات المالية على قراراتك دون أن تشعر.
فعندما يكون الدفع بضغطة واحدة، قد يصبح قرار الشراء نفسه أسرع من قرار التفكير في الحاجة إلى الشراء.
التقنية ليست المشكلة.
على العكس، التقنية وفرت لنا خدمات لم تكن ممكنة بهذه السهولة قبل سنوات.
لكن الراحة تحتاج إلى وعي.
ولا يمكن أيضًا فصل قراراتنا المالية عن تغير تكلفة المعيشة؛ فارتفاع الأسعار قد يجعل الراتب نفسه يشتري أقل مما كان يشتريه سابقًا. وإذا أردت فهم هذه النقطة بصورة أعمق، اقرأ التضخم في السعودية 1.8% فقط.. فلماذا نشعر أن مصاريفنا ارتفعت أكثر من ذلك؟.
ماذا يمكن أن يأخذ الموظف العادي من قصة كهذه؟
ليس المطلوب أن يقرأ كل موظف القصة ويقرر غدًا الاستقالة وتأسيس شركة بمليارات.
هذا سيكون فهمًا سطحيًا للدرس.
الفائدة الأقرب لنا جميعًا هي أن نتعامل مع سنوات العمل باعتبارها أصلًا يتراكم.
إذا كنت تعمل في المبيعات، تعلّم العملاء.
إذا كنت تعمل في التقنية، افهم المشكلة التي تحلها لا الكود فقط.
إذا كنت تعمل في الإدارة، تعلم كيف تتخذ القرارات ولماذا تفشل بعض الخطط.
إذا كنت تعمل في متجر، راقب ما الذي يشتريه الناس وما الذي يجعلهم يعودون.
كل يوم في الوظيفة يمكن أن يكون مجرد يوم ينتهي بنهاية الدوام.
ويمكن أن يكون قطعة صغيرة من معرفة تستخدمها بعد سنوات.
والأمر أصبح أكثر أهمية مع التغير السريع في سوق العمل والتقنية. فالموظف لا يحتاج إلى جمع الدورات فقط، بل إلى بناء مهارات يستطيع استخدامها فعلًا. وفي هذا السياق نشرنا أيضًا: 30% من مستخدمي الذكاء الاصطناعي في السعودية يخشون على وظائفهم.. ما المهارات التي تحميك فعلًا؟.
لا تجعل قصص النجاح تدفعك إلى قرارات متسرعة
هناك جانب مهم يجب ألا ننساه.
قصص النجاح الكبيرة قد تدفع بعض الناس إلى التفكير في أن الطريق الطبيعي للنجاح هو ترك الوظيفة فورًا وبدء مشروع.
لكن القصة نفسها تقول العكس تقريبًا.
سنوات العمل كانت جزءًا من بناء الخبرة التي جاء المشروع بعدها.
ليست كل وظيفة عائقًا أمام النجاح.
وأحيانًا تكون الوظيفة هي المدرسة التي تؤهلك لما ستفعله لاحقًا.
الفكرة ليست أن تتمسك بوظيفة إلى الأبد، ولا أن تستقيل غدًا.
الفكرة أن تسأل نفسك باستمرار:
هل السنوات التي أقضيها الآن تضيف إلى قيمتي فعلًا؟
هل أتعلم شيئًا؟
هل أبني خبرة؟
هل أعرف السوق أفضل من السنة الماضية؟
هل أملك مهارة يصعب استبدالها؟
هذه الأسئلة قد تكون أهم بكثير من سؤال:
متى أبدأ مشروعي؟
النجاح السريع أحيانًا عمره عشرون سنة
جولة «برق» الأخيرة خبر مالي وتقني مهم، لكنها بالنسبة لي تروي قصة أوسع من شركة واحدة.
نحن نحب اللحظة التي يظهر فيها النجاح لأنها واضحة ويمكن قياسها.
رقم كبير.
استثمار ضخم.
شركة وصلت إلى تقييم ملياري.
لكن الجزء الذي لا يظهر في الصورة عادة هو السنوات الطويلة التي سبقت ذلك.
التعلم.
الوظائف.
العلاقات.
الأخطاء.
وفهم قطاع واحد بعمق.
لذلك إذا كنت في بداية مسيرتك ولا ترى نتيجة ضخمة حتى الآن، لا تجعل قصص «النجاح في ثلاث سنوات» تخدعك.
قد تكون السنوات التي تعيشها الآن هي بالضبط السنوات التي سيبدو أثرها للناس لاحقًا وكأنه ظهر فجأة.
اقرأ المزيد من علّمني
- هل هاتفك يبرمجك على الصرف؟ كيف تؤثر التطبيقات المالية على قراراتك دون أن تشعر
- 15.8 مليار ريال في أسبوع: أين يتسرّب راتبك دون أن تشعر؟
- 30% من مستخدمي الذكاء الاصطناعي في السعودية يخشون على وظائفهم.. ما المهارات التي تحميك فعلًا؟
المصادر
- الموقع الرسمي لشركة برق – معلومات الشركة ومجلس الإدارة والترخيص.
- إعلان الجولة الاستثمارية المنشور في سبتمبر 2026.
- ومضة – تفاصيل جولة Series A وتقييم الشركة.
- صحيفة الاقتصادية – السيرة المهنية لأحمد العنزي ومسيرته في القطاع المصرفي والتقنية المالية.
تنبيه: تقييم الشركة لا يمثل بالضرورة الثروة الشخصية لأي مساهم، والأرقام الواردة تعكس البيانات والتقييمات المنشورة وقت إعداد المقال في سبتمبر 2026.

الانضمام إلى المحادثة