الاقتصاد السعودي غير النفطي: كيف نقرأ النمو بعيدًا عن سعر النفط؟
إعداد: محمد عبدالله الصبيح
قد تقرأ خبرًا يقول إن الاقتصاد السعودي انكمش، ثم تقرأ في الوقت نفسه أن الأنشطة غير النفطية واصلت النمو.
للوهلة الأولى يبدو الأمر متناقضًا: كيف يتراجع الاقتصاد بينما ينمو جزء كبير منه؟
الإجابة تكشف شيئًا مهمًا عن طريقة قراءة الاقتصاد السعودي اليوم.
لسنوات طويلة كان النفط قادرًا على دفع رقم الناتج المحلي صعودًا أو هبوطًا بقوة. لكن مع توسع التجارة والخدمات والتمويل والسياحة والتقنية والإنشاءات والأنشطة الأخرى، أصبح من المهم ألا ننظر فقط إلى الرقم الكلي، بل نسأل: ماذا يحدث داخل الاقتصاد غير النفطي نفسه؟
ماذا يعني الاقتصاد غير النفطي؟
الناتج المحلي الإجمالي هو القيمة المضافة التي تنتجها الأنشطة الاقتصادية داخل الدولة.
وفي السعودية يمكن تبسيط الصورة إلى ثلاثة أجزاء رئيسية:
- الأنشطة النفطية.
- الأنشطة غير النفطية.
- الأنشطة الحكومية.
والأنشطة غير النفطية تشمل مجموعة واسعة جدًا من المجالات: التجارة، الصناعة، الخدمات المالية، العقار، المطاعم والفنادق، النقل، الاتصالات، التقنية، الزراعة، والخدمات المهنية وغيرها.
ولهذا فإن نمو هذا الجزء يعطينا صورة أوسع عن النشاط الذي لا يعتمد مباشرة على إنتاج النفط.
ماذا حدث في الربع الثاني من 2026؟
بحسب أحدث تقديرات الهيئة العامة للإحصاء، انخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمملكة في الربع الثاني من 2026 بنحو 4.7% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
السبب الرئيس كان تراجع الأنشطة النفطية بنحو 24.8%.
لكن في المقابل، سجلت الأنشطة غير النفطية نموًا سنويًا يقارب 0.9%، كما نمت الأنشطة الحكومية بنحو 0.9%.
وهذه نقطة شديدة الأهمية: الرقم الكلي يمكن أن ينخفض بسبب النفط، بينما يبقى النشاط غير النفطي في منطقة النمو.
لكن 0.9% ليست نسبة مرتفعة
صحيح.
ومن الخطأ أن نأخذ أي رقم موجب ونصفه تلقائيًا بأنه نمو قوي.
في الربع الثاني من 2025 كانت الأنشطة غير النفطية قد نمت بنحو 4.6% على أساس سنوي. أما في الربع الثاني من 2026 فقد تباطأ المعدل بصورة واضحة.
إذن القراءة الدقيقة ليست: "كل شيء ممتاز لأن غير النفطي نما".
ولا هي: "الاقتصاد انهار لأن الناتج الكلي انخفض".
القراءة الأقرب للواقع هي: حدثت صدمة قوية في النشاط النفطي، بينما حافظ غير النفطي على نمو سنوي موجب لكنه أبطأ بكثير من العام السابق.
لماذا يهمنا الفرق بين النمو السنوي والربعي؟
عندما تقول الإحصاءات إن نشاطًا نما على أساس سنوي، فهي تقارنه بالربع نفسه من العام الماضي.
أما المقارنة الربعية فتنظر إلى الربع السابق مباشرة، وغالبًا تستخدم بيانات معدلة موسميًا.
وفي الربع الثاني من 2026 تراجعت الأنشطة غير النفطية بصورة طفيفة على أساس ربعي.
وهذا يخبرنا أن الاقتصاد غير النفطي ظل أكبر من مستواه قبل عام، لكنه فقد بعض الزخم خلال الأشهر الأخيرة.
لهذا يجب دائمًا أن تسأل عند قراءة أي خبر اقتصادي: هل الرقم سنوي أم ربعي؟
أي القطاعات ظلت تتحرك؟
البيانات التفصيلية للربع الثاني تظهر أن بعض الأنشطة حققت نموًا أقوى من المتوسط.
من بينها الخدمات المالية والتأمين وخدمات الأعمال، إضافة إلى بعض الخدمات الاجتماعية والشخصية والزراعة.
وهذا مهم لأن التنوع الاقتصادي لا يعني فقط وجود شركات خارج النفط.
المهم أن تتوسع قطاعات متعددة بحيث لا يصبح نشاط واحد مسؤولًا عن معظم الحركة الاقتصادية.
التجارة تعطينا إشارة أخرى
إذا أردت معرفة ما يحدث داخل الاقتصاد، لا تنظر إلى الناتج المحلي وحده.
راقب أيضًا البيع والشراء داخل السوق.
وفق الهيئة العامة للإحصاء، ارتفع الرقم القياسي للإيرادات التشغيلية لتجارة الجملة والتجزئة في الربع الثاني من 2026 بنحو 3.2% مقارنة بالعام السابق.
والأكثر لفتًا للانتباه أن مؤشر المبيعات الإلكترونية ارتفع بنحو 9.8%.
وفي تجارة التجزئة وحدها وصلت الزيادة في المبيعات الإلكترونية إلى نحو 13.4%.
هذا لا يعني أن كل متجر أو مشروع إلكتروني يحقق نموًا، لكنه يعطينا إشارة عن استمرار انتقال جزء أكبر من النشاط التجاري نحو القنوات الرقمية.
وهذا يرتبط بما تناولناه في علّمني عن الفرص الجديدة أمام المنشآت الصغيرة والمتوسطة في السعودية .
مؤشر مديري المشتريات: ماذا يقول أصحاب الشركات؟
هناك مؤشر آخر أتابعه عند قراءة النشاط غير النفطي، وهو مؤشر مديري المشتريات PMI.
الفكرة بسيطة: يتم سؤال شركات القطاع الخاص عن الطلبات والإنتاج والتوظيف والمخزون والتكاليف.
الرقم فوق 50 نقطة يعني عمومًا وجود توسع في النشاط، بينما يشير الرقم دون 50 إلى انكماش.
في يوليو 2026 كان مؤشر القطاع الخاص غير النفطي في السعودية عند نحو 53.1 نقطة.
وهذا يشير إلى استمرار التوسع، لكنه أيضًا يساعدنا على فهم أن الزخم لم يكن بالقوة نفسها التي شهدتها فترات سابقة.
لماذا تباطأ النشاط غير النفطي في 2026؟
الاقتصاد لا يعمل في عزلة.
خلال 2026 تعرضت المنطقة لاضطرابات أثرت في حركة التجارة والشحن والثقة الاقتصادية.
وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن هذه التطورات أثرت في الزخم الذي دخل به الاقتصاد السعودي العام، وضغطت على النشاط غير النفطي والثقة خلال بعض الأشهر.
لكن الصندوق أشار أيضًا إلى ظهور مؤشرات على الاستقرار بعد ذلك، مع استمرار الطلب المحلي والإنفاق والمشاريع في دعم النشاط.
لماذا النفط ما زال مهمًا حتى للاقتصاد غير النفطي؟
قد يبدو مصطلح "غير نفطي" وكأنه يعني أن هذا الجزء منفصل تمامًا عن النفط.
وهذا غير دقيق.
عائدات النفط تؤثر في الإنفاق الحكومي والمشاريع والاستثمار والسيولة وثقة الشركات.
وقد تستفيد شركات غير نفطية من مشروعات تمول بصورة مباشرة أو غير مباشرة من إيرادات مرتبطة بالطاقة.
لذلك فإن التنويع الاقتصادي لا يعني أن يصبح النفط بلا أهمية.
بل يعني أن تتوسع مصادر الإنتاج والدخل والوظائف بحيث يصبح الاقتصاد قادرًا بصورة أكبر على امتصاص تقلبات النفط.
كيف نعرف أن التنويع الاقتصادي حقيقي؟
لا يكفي أن نرى مطاعم أكثر أو مشروعات جديدة.
هناك مجموعة من المؤشرات يمكن متابعتها:
- نمو الناتج المحلي غير النفطي.
- مساهمة القطاع الخاص.
- الصادرات غير النفطية.
- الوظائف التي تولدها القطاعات الجديدة.
- حجم الاستثمار الخاص.
- الإنتاجية.
- نمو التجارة والخدمات والصناعة.
كلما أصبحت هذه المؤشرات أقوى وأكثر تنوعًا، تقل حساسية الاقتصاد لأي قطاع منفرد.
الصادرات غير النفطية مهمة.. ولكن لا تقرأها وحدها
من أهم أهداف التنويع أن تصبح الشركات السعودية قادرة على بيع منتجاتها وخدماتها خارج السوق المحلي أيضًا.
لكن الصادرات الشهرية تتحرك بقوة وقد تتأثر بالتوقيت والأسعار وإعادة التصدير والطلب العالمي.
لذلك لا أفضل الحكم على التنويع من شهر واحد.
الأصح متابعة الاتجاه لعدة أرباع وسنوات.
وهذه قاعدة تنطبق على معظم الأرقام الاقتصادية: الاتجاه أهم من الرقم المنفرد.
الاستهلاك المحلي أيضًا جزء من الصورة
الاقتصاد غير النفطي يعتمد بدرجة كبيرة على ما تشتريه الأسر وما تستثمره الشركات.
فعندما ينفق الناس على السكن والطعام والنقل والسياحة والترفيه والتقنية، تتحرك قطاعات كثيرة في الوقت نفسه.
لكن قوة الاستهلاك ليست دائمًا خبرًا إيجابيًا إذا كانت مبنية بصورة كبيرة على الديون.
ولهذا يجب أن نقرأ الإنفاق مع مؤشرات الائتمان والدخل والادخار والتضخم.
وقد تناولنا من زاوية الأسرة كيف تؤثر الأسعار وارتفاع تكلفة المعيشة على ميزانية المستهلك السعودي .
ماذا تعني الأرقام لصاحب المشروع؟
إذا كنت تدير مشروعًا صغيرًا، فالناتج غير النفطي ليس مجرد خبر اقتصادي بعيد عنك.
هو يعطيك إشارة عن البيئة التي تعمل داخلها.
لكن الأهم أن تنزل من الرقم الكبير إلى قطاعك أنت.
إذا نما الاقتصاد غير النفطي 3% مثلًا، فهذا لا يعني أن مبيعات كل المشاريع سترتفع 3%.
قد تنمو التجارة الإلكترونية بسرعة، بينما يواجه نشاط آخر تباطؤًا.
لذلك اسأل:
- هل الطلب على قطاعي يرتفع؟
- هل تكاليفي ترتفع أسرع من المبيعات؟
- هل يدخل منافسون جدد؟
- هل أصبح العميل يشتري عبر الإنترنت أكثر؟
- هل تغيرت طريقة الدفع أو التسويق؟
هذه الأسئلة أكثر فائدة من قراءة الناتج المحلي ثم افتراض أن مشروعك سيتحرك بالطريقة نفسها.
ماذا يعني النمو غير النفطي للوظائف؟
واحدة من أهم فوائد التنويع الاقتصادي هي توسيع أنواع الوظائف الموجودة في السوق.
عندما تنمو التقنية والخدمات المالية والسياحة واللوجستيات والتجارة الإلكترونية والصناعة، تنشأ احتياجات جديدة للمهارات.
ولهذا نشرنا في علّمني مقالًا عن وظائف التقنية المالية في السعودية والمهارات المطلوبة لدخول القطاع .
فالنمو الاقتصادي في النهاية يجب ألا يُقرأ فقط من الناتج، بل أيضًا من نوع الفرص التي يخلقها.
صندوق النقد: تباطؤ في 2026 ثم تعافٍ متوقع
في تقييمه الصادر في يوليو 2026، توقع صندوق النقد الدولي أن ينمو الاقتصاد السعودي ككل بنحو 1.7% خلال 2026.
أما الناتج غير النفطي فتوقع له نموًا يقارب 2.6% خلال العام.
ولعام 2027 يتوقع الصندوق تسارع نمو النشاط غير النفطي إلى نحو 4.5% إذا تحسنت الظروف وعادت حركة التجارة بصورة أكثر طبيعية.
هذه توقعات وليست ضمانات.
وتظل مرتبطة بأسعار النفط، والظروف الإقليمية، والاستثمار، وحركة التجارة، وتنفيذ المشاريع، وثقة القطاع الخاص.
لماذا لا يجب أن نخدع أنفسنا بالأرقام الإيجابية؟
التنويع مشروع طويل.
ولا يوجد اقتصاد يتحول خلال عام أو عامين.
إذا كان النمو غير النفطي يتباطأ فمن المهم قول ذلك. وإذا تحسن فمن المهم فهم مصدر التحسن.
الهدف ليس البحث عن رقم يثبت أن كل شيء جيد، ولا رقم يثبت العكس.
الهدف هو معرفة: هل الاقتصاد يصبح أكثر قدرة على إنتاج الدخل والوظائف من مصادر متنوعة مع مرور الوقت؟
خمسة أرقام أتابعها بدل رقم الناتج وحده
إذا أردت متابعة الاقتصاد السعودي بطريقة أبسط، راقب هذه المجموعة معًا:
- نمو الناتج غير النفطي.
- مؤشر مديري المشتريات.
- مبيعات التجزئة والتجارة الإلكترونية.
- الصادرات غير النفطية.
- الاستثمار والتوظيف في القطاع الخاص.
إذا تحركت أغلب هذه المؤشرات في اتجاه جيد لفترة طويلة، يصبح لدينا دليل أقوى على توسع القاعدة الاقتصادية.
الخلاصة
الربع الثاني من 2026 يقدم مثالًا ممتازًا على سبب عدم الاكتفاء بعنوان واحد عند قراءة الاقتصاد.
الناتج المحلي الإجمالي انخفض بنحو 4.7% على أساس سنوي، مدفوعًا أساسًا بتراجع قوي في الأنشطة النفطية.
لكن الأنشطة غير النفطية حافظت على نمو سنوي موجب يقارب 0.9%.
في الوقت نفسه أظهرت تجارة الجملة والتجزئة نموًا في الإيرادات، واستمرت المبيعات الإلكترونية في التوسع، بينما بقي مؤشر مديري المشتريات فوق مستوى 50 نقطة.
الصورة إذن ليست نموًا قويًا بلا مشاكل، وليست انهيارًا شاملًا.
إنها اقتصاد غير نفطي ما زال يتوسع، لكنه يمر بفترة أبطأ وأكثر حساسية للصدمات الخارجية.
والسؤال الذي يستحق المتابعة في السنوات القادمة ليس: هل النفط ما زال مهمًا؟
بالطبع هو مهم.
السؤال الأهم هو: كم أصبح الاقتصاد قادرًا على النمو وخلق الوظائف والفرص عندما يتراجع النشاط النفطي؟
المصادر
- الهيئة العامة للإحصاء — الناتج المحلي الإجمالي والحسابات القومية، الربع الثاني 2026.
- الهيئة العامة للإحصاء — إحصاءات تجارة الجملة والتجزئة، الربع الثاني 2026.
- وزارة الاقتصاد والتخطيط — نبض الاقتصاد السعودي، أغسطس 2026.
- صندوق النقد الدولي — مشاورات المادة الرابعة للمملكة العربية السعودية، يوليو 2026.
المقال للتثقيف الاقتصادي العام، والأرقام الاقتصادية قابلة للمراجعة والتحديث مع صدور نشرات أحدث.
اقرأ المزيد
13 مبادرة جديدة لأصحاب المشاريع في السعودية.. أين الفرصة لمشروعك؟
وظائف الفنتك في السعودية: 5 مهارات تفتح لك أبواب التقنية المالية
التضخم وتكلفة المعيشة في السعودية: لماذا نشعر أن مصاريفنا ارتفعت؟

الانضمام إلى المحادثة